خبز مفقود ومعاناة يومية.. ريف دير الزور الشرقي تحت ضغط أزمة معيشية خانقة
خبز مفقود ومعاناة يومية.. ريف دير الزور الشرقي تحت ضغط أزمة معيشية خانقة
يعيش ريف دير الزور الشرقي واحدة من أقسى أزماته المعيشية منذ سنوات، مع تفاقم أزمة تأمين الدقيق اللازم للخبز الركيزة الأساسية لغذاء السكان، فقد أدى توقف دعم الأفران بالطحين والمحروقات، عقب انسحاب الإدارة الذاتية وسيطرة الحكومة الانتقالية على المنطقة، إلى شلل شبه كامل في عمل الأفران، ما انعكس مباشرة على حياة آلاف الأسر التي باتت عاجزة عن تأمين احتياجاتها اليومية من الخبز.
وبحسب ما ذكره المرصد السوري لحقوق الإنسان الأربعاء، فإن هذا التحول المفاجئ في إدارة المنطقة ترافق مع انقطاع كامل للدعم الذي كانت تتلقاه الأفران، الأمر الذي تسبب بإغلاق معظمها، في وقت لم توضع فيه بدائل سريعة أو حلول إسعافية تضمن استمرار إنتاج الخبز وتوفيره بأسعار مقبولة.
توقف الأفران واتساع الفجوة
مع توقف الأفران الحكومية عن العمل نتيجة غياب الطحين والمازوت، وجد سكان ريف دير الزور الشرقي أنفسهم أمام واقع جديد أكثر قسوة، فالأفران القليلة التي ما زالت تعمل، وخصوصا في مدينة هجين، تفعل ذلك بطاقة محدودة وبآليات غير منتظمة، وغالبا خارج إطار الرقابة الرسمية، أما القرى والبلدات المحيطة بهجين، فتعاني من انعدام شبه كامل للخبز، ما أجبر الأهالي على البحث عن بدائل مرهقة ومكلفة.
ويؤكد سكان محليون أن الأسواق المفتوحة تتركز اليوم في مدينة هجين فقط، حيث يوجد عدد محدود من الأفران الخاصة. غير أن هذه الأفران، بحسب الأهالي، لا تستطيع تلبية الطلب المتزايد، فضلا عن خضوعها لضغوط السوق السوداء التي فرضت ارتفاعا كبيرا في الأسعار وتلاعبا في الأوزان.
السوق السوداء تثقل كاهل الأسر
مع تراجع الإنتاج النظامي للخبز في ريف دير الزور الشرقي، انتشرت ظاهرة الباعة الجائلين الذين ينقلون الخبز من هجين إلى القرى المجاورة، مستفيدين من حاجة الناس وغياب الرقابة، وتباع ربطة الخبز اليوم بأسعار تتراوح بين 5000 و6000 ليرة سورية، مقارنة بالسعر المدعوم سابقا الذي كان يقارب 3000 ليرة فقط. هذا الفارق الكبير شكل عبئا ثقيلا على معظم العائلات، ولا سيما الأسر ذات الدخل المحدود أو التي تضم أعدادا كبيرة من الأفراد.
ويصف الأهالي هذه الزيادة بأنها غير محتملة، في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة وارتفاع عام في أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية. ويشير كثيرون إلى أن الخبز، الذي كان متاحا نسبيا رغم الأزمات السابقة، أصبح اليوم مادة نادرة ومكلفة، ما يهدد الأمن الغذائي للأسر الأكثر هشاشة.
شهادات من قلب المعاناة
يقول أحد سكان مدينة هجين إن الأفران توقفت عن العمل مباشرة بعد انسحاب الإدارة الذاتية، موضحا أن الأهالي كانوا يحصلون سابقا على الخبز بسعر مدعوم يخفف عنهم أعباء المعيشة، أما اليوم فيضطرون لشرائه من السوق السوداء بأسعار مرتفعة لا تتناسب مع دخولهم، ويضيف أن العائلات الكبيرة أصبحت تنفق جزءا كبيرا من دخلها المحدود فقط لتأمين الخبز.
وفي بلدة السوسة، يؤكد أحد السكان أن الأفران المدعومة التابعة للحكومة توقفت تماما بسبب انقطاع المازوت والطحين، مشيرا إلى أن الخيار الوحيد المتاح حاليا هو شراء الخبز من باعة جوالين قادمين من مدينة هجين، ويضيف أن وزن الربطة غالبا ما يكون أقل من المعتاد، في حين يصل سعرها إلى نحو 6000 ليرة، ما يزيد من شعور الأهالي بالظلم والاستغلال.
أما أحد الأهالي في إحدى قرى الريف الشرقي فيشير إلى أن السكان ما زالوا ينتظرون وعود الجهات المعنية بتحسين الواقع المعيشي وضبط أسعار الخبز، ويؤكد أن الأزمة طالت أكثر مما يحتمل، وأن الناس لم تعد قادرة على الصبر، مطالبة بإجراءات عاجلة تحمي حقوقها وتؤمن أبسط احتياجاتها اليومية.
الخبز كقضية كرامة واستقرار
لا ينظر سكان ريف دير الزور الشرقي إلى الخبز بوصفه مجرد سلعة غذائية، بل باعتباره مادة استراتيجية وخطا أحمر يرتبط بالكرامة الإنسانية والاستقرار الاجتماعي، فغياب الخبز أو ارتفاع سعره ينعكس بشكل مباشر على حياة الناس، ويزيد من مستويات التوتر والقلق، خاصة في منطقة أنهكتها سنوات طويلة من النزاع والفقر.
ويُحذّر الأهالي من أن استمرار الأزمة دون حلول سريعة قد يؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني، مع ازدياد معدلات العوز وسوء التغذية، وارتفاع احتمالات الاضطرابات الاجتماعية، ويؤكدون أن أي تأخير في معالجة الملف سيعمق فجوة الثقة بين السكان والجهات المسؤولة.
مطالب عاجلة وحلول منتظرة
يطالب سكان الريف الشرقي الحكومة السورية الانتقالية باتخاذ خطوات فورية وحاسمة لإعادة دعم الأفران بمادتي الطحين والمحروقات، وضمان عودة الإنتاج المنتظم للخبز في جميع المدن والقرى، كما يدعون إلى ضبط الأسعار بما يتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين، وتشديد الرقابة على السوق لمنع التلاعب بالأوزان والأسعار.
ويرى الأهالي أن تأمين الخبز يجب أن يكون أولوية قصوى في أي خطة لإدارة المرحلة الحالية، نظرا لتأثيره المباشر على حياة الناس اليومية وعلى الاستقرار العام في المنطقة. ويؤكدون أن معالجة هذه الأزمة قد تشكل مدخلا لإعادة الثقة وتهدئة الاحتقان المتزايد.
أزمة تتجاوز الخبز
إن استمرار توقف الأفران وارتفاع أسعار الخبز يعكسان أزمة أعمق في تأمين أبسط مقومات الحياة في ريف دير الزور الشرقي، فالمشكلة لا تتعلق فقط بنقص مادة غذائية أساسية، بل تكشف عن هشاشة الواقع الخدمي والمعيشي، وعن الحاجة الماسة إلى إدارة فعالة تضع احتياجات الناس في صدارة أولوياتها.
ومع تزايد الضغوط على الأسر، يبقى الخوف قائما من أن تتحول أزمة الخبز إلى شرارة لأزمات اجتماعية أوسع، إذا لم تبادر الجهات المعنية إلى التحرك السريع والجدي لإعادة الاستقرار وضمان وصول الخبز إلى جميع السكان بأسعار عادلة ومنصفة.
يأتي تفاقم أزمة الخبز في ريف دير الزور الشرقي في سياق اقتصادي ومعيشي شديد التعقيد تعيشه المنطقة منذ سنوات، نتيجة النزاع المسلح وتبدل جهات السيطرة وتراجع البنية التحتية والخدمات الأساسية، وقد لعب دعم الأفران خلال الفترات السابقة دورا محوريا في الحفاظ على حد أدنى من الأمن الغذائي، إلا أن توقف هذا الدعم مع التحولات الأخيرة في الإدارة المحلية كشف عن فراغ كبير في آليات تأمين المواد الأساسية، ومع غياب حلول بديلة سريعة، بات السكان يواجهون تحديات يومية تهدد استقرارهم المعيشي، ما يجعل ملف الخبز اختبارا حقيقيا لقدرة الجهات الحاكمة على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة.










